محمد بن جرير الطبري

30

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

يقول تعالى ذكره : وأورثنا القوم الذين كان فرعون وقومه يستضعفونهم ، فيذبحون أبناءهم ويستحيون نساءهم ، ويستخدمونهم تسخيرا واستعبادا من بني إسرائيل ، مشارق الأرض الشام ، وذلك ما يلي الشرق منها ، ومغاربها التي باركنا فيها ، يقول : التي جعلنا فيها الخير ثابتا دائما لأهلها . وإنما قال جل ثناؤه : وَأَوْرَثْنَا لأنه أورث ذلك بني إسرائيل ، بمهلك من كان فيها من العمالقة . وبمثل الذي قلنا في قوله : مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا يحيى بن يمان ، عن إسرائيل ، عن فرات القزاز ، عن الحسن ، في قوله : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها قال : الشام . حدثنا الحسن بن يحيى ، قال : أخبرنا عبد الرزاق ، قال : أخبرنا إسرائيل ، عن فرات القزاز ، قال : سمعت الحسن يقول ، فذكر نحوه . حدثنا ابن وكيع ، قال : ثنا قبيصة ، عن سفيان ، عن فرات القزاز ، عن الحسن : الأرض التي باركنا فيها ، قال : الشام . حدثنا بشر بن معاذ ، قال : ثنا يزيد بن زريع ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها هي أرض الشام . حدثنا محمد بن عبد الأعلى ، قال : ثنا محمد بن ثور ، عن معمر ، عن قتادة ، قوله : مَشارِقَ الْأَرْضِ وَمَغارِبَهَا الَّتِي بارَكْنا فِيها قال : التي بارك فيها : الشام . وكان بعض أهل العربية يزعم أن مشارق الأرض ومغاربها نصب على المحل ، يعني : وأورثنا القوم الذين كانوا يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها ، وأن قوله : وَأَوْرَثْنَا إنما وقع على قوله : الَّتِي بارَكْنا فِيها وذلك قول لا معنى له ، لأن بني إسرائيل لم يكن يستضعفهم أيام فرعون غير فرعون وقومه ، ولم يكن له سلطان إلا بمصر ، فغير جائز والأمر كذلك أن يقال : الذين يستضعفون في مشارق الأرض ومغاربها . فإن قال قائل : فإن معناه : في مشارق أرض مصر ومغاربها ؛ فإن ذلك بعيد من المفهوم في الخطاب : مع خروجه عن أقوال أهل التأويل والعلماء بالتفسير . وأما قوله : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى فإنه يقول : وفي وعد الله الذي وعد بني إسرائيل بتمامه ، على ما وعدهم من تمكينهم في الأرض ، ونصره إياهم على عدوهم فرعون . وكلمته الحسنى قوله جل ثناؤه : وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ وبنحو ما قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثنا محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، قال : ثنا عيسى عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد ، في قول الله : وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنى عَلى بَنِي إِسْرائِيلَ قال : ظهور قوم موسى على فرعون وتمكين الله لهم في الأرض وما ورثهم منها حدثني المثنى ، قال : ثنا أبو حذيفة ، قال : ثنا شبل ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد بنحوه . وأما قوله : وَدَمَّرْنا ما كانَ يَصْنَعُ فِرْعَوْنُ وَقَوْمُهُ فإنه يقول : وأهلكنا ما كان فرعون وقومه يصنعونه من العمارات والمزارع . وَما كانُوا يَعْرِشُونَ يقول : وما كانوا يبنون من الأبنية والقصور ، وأخرجناهم من ذلك كله ، وخربنا جميع ذلك . وقد بينا معنى التعريش فيما مضى بشواهده . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك . حدثني المثنى ، قال : ثنا عبد الله بن صالح ، قال : ثني معاوية ، عن علي بن أبي طلحة ، عن ابن عباس ، قوله : وَما كانُوا يَعْرِشُونَ يقول : يبنون . حدثني محمد بن عمرو ، قال : ثنا أبو عاصم ، عن عيسى ، عن ابن أبي نجيح ، عن مجاهد : يَعْرِشُونَ يبنون البيوت والمساكن ما بلغت ، وكان عنبهم